14 أبريل 2015

دور العلماء المتصوفة والزوايا في ترسيخ روابط المغرب الإفريقي

أحمد الشرقاوي بوكاري  
الثلاثاء 14 أبريل 2015 - 07:47
تكتيف الحضور الديني وتيسير سبل التفاعل الحضاري لدعم إعادة بناء الهوية الدينية الثقافية لهذه المجتمعات وهو ما جسده تاريخها المشترك مع المغرب ذلك أن وحدة المغرب الترابية جزء لا يتجزأ من وحدته العقدية والمذهبية والسلوكية التي تجد امتدادها الطبيعي والحيوي والمصيري عبر جذوره الإفريقية العميقة في الزمان والممتدة في الذاكرة والوجدان

وقد اضطلع بهذه المهمة النبيلة كل من علماء الطريقة القادرية والطريقة الشاذلية وما تفرع عنهما من مدارس مثل الجزولية والناصرية والفاضلية والمعينية والمختارية
وإلى هؤلاء وغيرهم من الفقهاء والعلماء والدعاة يرجع الفضل في نشر الإسلام بين القبائل الوثنية الإفريقية وتصحيح العقيدة وبعث العلوم الإسلامية هذا إلى جانب مواجهة حملات التبشير والتنصير وتزعم حركة الجهاد والمقاومة ضد القوات الغازية
وفي كل هذا، ظل المغرب بحكم احتضانه لإمارة المومنين بأصولها الشرعية وامتداداتها الشريفة قبلة تهفوا إليه الأفئدة والعقول ويتطلع إليه الأمراء والخاصة والعامة من الناس قصد جمع الكلمة ورص الصفوف لمواجهة عوامل التفرقة والانهيارلكن ما هي الأسس التي قامت عليها هذه الروابط التي لا زالت ثابتة إلى اليوم وتدعونا إلى مزيد من الجهد والعمل لإحيائها وتجديد معالمها والتمكين لأسسها
المحور الأول: أسس العلاقات المغربية الصحراوية الإفريقية
أولا : مجال الصحراء المنفتح 
ذلك أن بلاد ما وراء سوس ودرعة التي تتكون من مناطق وقبائل الساقية الحمراء ووادي الذهب وما وراءهما جنوبا وشرقا ظلت تمثل مجالات واسعة لتنقل الرجال وعبور الأفكار وتبادل المصالح والمنافع مع أمم جنوب الصحراء وغرب إفريقيا أو ما كان يعرف ببلاد السودان الغربي الذي يضم اليوم مجموعة من الدول الإفريقية المسلمة التي تتطلع باستمرار إلى ربط الماضي بالحاضر في مختلف المجالات خاصة ما له علاقة بهويتهم الإسلامية والحضارية
ثانيا : التنوع والاندماج البشري بين الجنوب والشمال
فقد شكلت الصحراء المغربية بامتداداتها الإفريقية طوال ما يزيد على 14 قرنا مجالا رحبا لتفاعل المجموعات البشرية الوافدة من الجزيرة العربية أو الصاعدة من وسط وغرب إفريقيا أو أفواج المغاربة من تجار وعلماء وصلحاء وهم يحملون ثقافتهم وحضارتهم نحو بلاد الصحراء وإفريقيا .. وهو ما أنتج مزيجا بشريا وحضاريا تعاقبت الدول والأمم على لحمه وانصهاره في ظل دين التوحيد والتعايش والتسامح والاستقرار.
ولا شك أن المجموعات القبلية الصحراوية الحالية من الرقيبات وتكنة وإزرقيين وأيت لحسن وأولاد دليم والعروسيين وأولاد تيدرارين وفيلالة وأهل الشيخ ماء العينين وغيرهم، يجسدون فعلا هذا الانصهار والتعايش في إطار وحدة أوسع يجسدها الكيان المغربي بامتداداته العربية والإفريقية والأمازيغية والصحراوية. وقد مثل هذا التنوع الوحدوي مصدر قوة ومناعة في الماضي وأفق تنمية وتعمير وإنتاج للحضارة في الحاضر والمستقبل.
ثالثا : الأسس التاريخية والحضارية:
يصعب الإحاطة بهذا المحور الهام في هذه الورقة، ولكن وجب التركيز هنا على بعض النقط والمؤشرات
1- دور علماء وصلحاء الصحراء في ترسيخ أسس الحضارة الإسلامية ومد إشعاعها إلى أعماق إفريقيا 
2 - تبني المغاربة شمالا وجنوبا لمذهب إمام دار الهجرة (المذهب المالكي) القائم على الانفتاح والاعتدال والاعتصام الأمثل بالقرآن الكريم والهدي النبوي الشريف الذي أرسله الله رحمة للعالمين، حمله الفقهاء والعلماء والمتصوفة وتمثله التجار كعنوان للتعارف والتعايش والتآخي مع إخوانهم المسلمين في بلاد إفريقيا جنوب الصحراء . 
3 - تزعمُ علماء الصحراء لمشروع ديني إحيائي يناهض ثقافة البدعة ومذاهب الفرقة والتطرف من خلال العمل الجليل الذي اضطلعت به زاوية الشيخ المصلح سيدي عبد الله بن ياسين رحمه الله. وهو المشروع الذي خلص الغرب الإسلامي من مخاطر البدعة والضلالة (فرق بورغواطة) و(الخوارج) وتطلعت إلى أعمالهم الجهادية بلاد الأندلس أمراء وفقهاء لإنقاذهم من وهدة الانقسام والتشتت وقد أحاط بهم الكفار والمسيحيون من كل جانب لولا أن تداركهم أهل المغرب ولبوا صرختهم واستجابوا لطلب نجدتهم
4 -الاعتصام بحبل البيعة المثين : ذلك أن سكان شمال غرب إفريقيا وبلاد الصحراء وجنوبها ظلوا يعضون بالنواجد على بيعة الأشراف من آل البيت النبوي الشريف دافعهم في ذلك التمسك بكل ما يرمز إلى مصدر قوة المسلمين ومناعتهم.
المحور الثاني : أهمية التصوف والزوايا في ترسيخ ثوابت المغرب الحضارية.
لم يثبت أن ذهب المغاربة إلى نشر الإسلام في إفريقيا بقوة السلاح. بل كان الفضل في هذا العمل الديني والحضاري للعلماء والفقهاء والصلحاء وكذلك التجار، أشبه ما وقع في بلدان آسيوية عديدة مثل أندونيسيا، باكستان، ماليزيا، الهند ... في حين أن حملة أحمد المنصور السعدي جاءت تحت ضغط ظرفية جهوية ودولية استثنائية ومحدودة العواقب في الزمان والمكان.
ومن أبرز نتائج هذا الحضور الديني والصوفي في هذه البلاد نذكر:
1- إنشاء العديد من المراكز العلمية والزوايا الصوفية على امتداد خطوط التجارة التي كانت تصل حواضر شمال إفريقيا ببلدان الصحراء وجنوبها
2- أصبح للعلماء والصلحاء الكلمة المسموعة والرأي السديد بين أبناء إفريقيا المسلمة وعند أمرائها وملوكها
3- تأسست العديد من الإمارات والدول اعتمادا على أسس دينية إصلاحية تآمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وجعلت من محاربة الوثنية وتشجيع العلوم الإسلامية من أهم الأولويات من هؤلاء نذكر:
حركة الحاج عمر طال التيجاني 
حركة الشيخ عثمان بن فودي القادري الطريقة
4- تخرج من هذه المراكز الدينية والعلمية نخبة منن العلماء المصلحين والمتصوفة العلماء العاملين نذكر منهم : 
الفقيه العالم المصلح سيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي (توفي 940هـ). 
الشيخ سيدي أحمد البكاي الكنتي (توفي 920 هـ/ موافق 1504 م |).
الشيخ العالم المؤرخ سيدي أحمد بابا السوداني (المتوفى 1036 هـ). 
العالم والصوفي سيدي عمر الشيخ: اغترف من معين العلم والصلاح في مراكز المغرب الشمالية والصحراوية، قام بدر بارز في نشر الدين الإسلامي والمذهب المالكي والتصوف السني عبر بلاد السودان الغربي وكانت له كما لشيخه أحمد البكاي مكانة خاصة عند أمير آل أسكية مات رحمه الله ببلاد سوس ودفن بأقا حوالي 960 هـ موافق 1353 م .
وعن هؤلاء الأعلام تخرج العديد من العلماء والصلحاء الذين واصلوا تغذية روافد العلاقات المغربية الإفريقية بإسهاماتهم وإنجازاتهم الحضارية كما سنرى من خلال تجربة الزاوية القادرية المختارية الكنتية لاحقا.
5- خلدت لنا مؤلفات أهل الصحراء والسودان جوانب عديدة من تاريخ هذه العلاقات بارتباط مع حواضر المغرب الشمالية في سوس ومراكش وفاس وغيرها. نذكر منها
-كتاب انفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور لمحمد بيلو
كتاب الطرائف والتلائد لمحمد بن المختار الكنتي 
الوسيط في تراجم أدباء شنكيط لأحمد الأمين الشنكيطي
المحور الثالث : القادرية المختارية كنمودج لترسيخ روابط المغرب الإفريقية .
شهد القرن 13 هـ/19م حركة إحياء ديني وصوفي وثقافي عمت بلاد الصحراء والسودان الغربي تجاوبا مع حركات إحيائية أخرى شملت العالم الإسلامي شرقه وغربه بسبب ازدياد الضغوط الإستعمارية وما ترتب عنها من شعور بالإنحطاط إقترن بتخلي المسلمين عن المنهج الإسلامي الصحيح القائم على الإجتهاد والإقتباس والتجديد.
وإلى هذه الحقبة يعود ما عرف بحركة الإنبعاث والنهضة الدينية والثقافية والسياسية والجهادية التي تزعمتها كل من القادرية والتيجانية في غرب إفريقيا ووسطها، وكان من أبرز نتائجها الإبقاء على جذوة الإسلام في هذه الربوع مشعة رغم التفوق العسكري والتبشيري والعلمي للقوات الغازية. وسنقتصر هنا على بعض جوانب هذا الإحياء كما مثلته القادرية المختارية.
أولا : الشيخ المختار الكنتي وحركته الإحيائية:
يعتبر الشيخ المختار الكنتي واحدا من أبرز العلماء المصلحين والمتصوفة العاملين الذين جعلوا من إحياء الدين والطريقة القادرية السنية أساس حركته الإحيائية وهو ما قام بشرحه في مؤلفاته العديدة ليؤكد على مسألتين أساسيتين فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة والطريقة على السواء بسبب تكاملهما وترابطهما:
توحيد الربوبية من غير غلو ولا تطرف
التأكيد على سيرة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنته وعباداته ومكانته ومعاملاته وأخلاقه التي جعلت منه القدوة في الدين والعلم والعمل ومصدر الإلهام وحسن الإتباع والإقتداء لأصحاب الشريعة والطريقة
ولذلك مثلت زاوية الشيخ الكنتي ب "أزود" مركزا مشعا بالأنشطة الدينية و العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالنظر إلى تداخل هذه المهام وترابطها في مجتمعات تعاني الكثير من الخصاص وانعدام الاستقرار.
وبعد وفاته (1241هـ/1828م) خلفه ابنه الشيخ محمد في تدبير شؤون الزاوية ومد إشعاعها إلى مختلف ربوع إفريقيا الغربية والصحراء، حيث أسس زوايا في كل من توات، أزمور الصحراء، ولاته، أزود شمال تنبوكتو، بو الانوار وغيرها
وعن هذا الرعيل الأول تخرج مئات بل الآلاف من الفقهاء والعلماء والصلحاء الذين بفضلهم تمتنت جسور التواصل والحوار وتمكنت من الصمود أمام كل الأخطار والتحديات.
ثانيا : نتائج الإحياء القادري الكنتي:
وقد كان من نتائج هذا الإحياء الديني والصوفي:
1- الإبقاء على جذوة الإسلام والثقافة الإسلامية متقدة في هذه الربوع الإفريقية وإلى اليوم
2- الإجماع على الاعتصام بكل ما يمت إلى السنية بصلة من اعتدال ووسطية وتعايش اعتمادا على مصدري العقيدة والشريعة والأخلاق، القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بالإضافة إلى سيرة واجتهاد السلف الصالح كما جسدته الأشعرية والمالكية والجنيدية
3- التآزر في دفع أسباب وعوامل الضعف والفرقة سواء كانت داخلية (أشباه العلماء وأدعياء التصوف) أو خارجية متمثلة في تهديدات الوثنية والاستعمار
4- إشاذة ملوك المغرب من الأشراف العلويين بجهود هؤلاء الأمراء المصلحين والعلماء الصلحاء العاملين من أجل إحياء السنة وإماتة البدعة وجهاد أعداء الدين (رسالة مولاي سليمان إلى الشيخ عثمان بن فوديو).
5- تفعيل مبدأ الدين النصيحة في إطار البيعة بين هؤلاء الأمراء والعلماء وإمارة المؤمنين حيث كتب الشيخ المختار الكنتي الحفيد (توفي 1263هـ) إلى السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام (توفي 1276هـ) خطابا يطلب فيه رأيه ونصحه في أمور الدين وقضايا المسلمين استهله بإبراز عمق آصرة التعلق والولاء التي تجمع ملوك المغرب بهذه الربوع الصحراوية والإفريقية منذ قرون مستهلا ذلك:
"إمام الأئمة القائم بكل الأمة، الخليفة المستخلف .. الإمام الحق .. أمير المؤمنين سيدنا ومولانا عبد الرحمان خليفة أمير المؤمنين سيدنا ومولانا سليمان"
6- دور ملوك المغرب والمتصوفة على اختلاف مشاربهم في دفع الأمراء الأفارقة لتوحيد جهودهم الإحيائية والجهادية بسبب حدة الأخطار المحدقة التي تهدد الإسلام والمسلمين في هذه الربوع وخارجها.
7- من أبرز العلماء المصلحين المتخرجين من المدرسة القادرية الكنتية نذكر الفقيه العالم الصوفي الشيخ ابن دح الأزموري الذي كان يمثل واحدة من المعابر الهامة في نقل تصوف المختارية نحو شمال الصحراء حيث تتلمذ عليه جم غفير من العلماء والمتصوفة المغاربة والمشارقة عبر مختلف أنحاء البلاد. كما انخرط في طريقته السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان وبعض خاصته.
8- تأسيس زاوية الحوض من طرف الشيخ الشريف سيدي محمد فاضل بن مامين كقلعة جديدة من قلاع الدين والعلم والسلوك السني. رحل إلى الزاوية القادرية بالصحراء وأخذ عن كبار علمائها وأشياخها ب (أزود) أمثال الشيخ سيديا بن المختار الشنكيطي، والشيخ سيدي ابن الأعمش، والشيخ محمد بن المختار الجكاني، محمد بن المختار الترزي وغيرهم. ثم رجع إلى زاويته التي أصبحت منارة تشع على كل الصحراء والسودان وبلاد المغرب والصحراء خصوصا بعد تأسيس زاوية سمارة من طرف ابنه سيدي محمد المصطفى ماء العينين فعم إشعاعها حواضر المغرب وبواديه في سوس ودرعة والشاوية وفاس ومراكش وإلى أقصى الشمال.
9- وبارتباط مع ظرفية الضغوط الاستعمارية في القرن التاسع عشر تبلورت دعوة الشيخ المصلح المجاهد ماء العينين رحمه الله إلى مبدأ "المواخاة في الدين" وأنه لا فائدة في كثرة المذاهب وأسباب الافتراق مما جعل حركته الجهادية والإحيائية تمتد من أعماق الصحراء إلى جنوبها وشمالها متجاوبة مع حركات مماثلة تزعمها شيوخ وأمراء التجانية والقادرية والدرقاوية عبر مختلف ربوع الجناح الغربي من العالم الإسلامي.
الخلاصات وآفاق العمل المستقبلي .
وتهم بالأساس ما له علاقة بإحياء ودعم وترسيخ روابط المغرب الحضارية والتنموية عبر جذوره الصحراوية والإفريقية، من ذلك:
إحداث مراكز للأبحاث والدراسات لحفظ التراث الحضاري المشترك وتنميته وتجديد أسسه العلمية ومعالمه وأهدافه الفكرية والإنسانية.
تنظيم ندوات علمية وعقد اتفاقيات شراكة مع مراكز البحث والجامعات في بلدان إفريقيا الغربية والصحراء تفعيلا لمبدأ تكريس علاقات المغرب جنوب جنوب .
دعم الجهود الدبلوماسية وسياسة حسن الجوار والتعاون وبرامج التنمية المندمجة التي يرعاها جلالة الملك محمد السادس بالتركيز على ما له علاقة بالدبلوماسية الثقافية والدينية والروحية بالنظر إلى مكانة المغرب والمغاربة وإمارة المومنين في عقول ونفوس شعوب هذه البلدان.

مثل علماء الصحراء وصلحاؤها قنوات التواصل والحوار الصلبة التي عملت على ترسيخ الثوابت الحضارية بين بلدان جنوب الصحراء وشمالها، مستلهمين من روح القرآن ورسالة الإسلام وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، معالم الطريق وسبل التعارف لبناء الإنسان وتشييد العمران، إذ يرجع إليهم الفضل في ترسيخ الهوية الحضارية لهذه الشعوب القائمة على المذهب السني والوسطية وتصوف الأخلاق والتربية الروحية وفق منهج النبوة والرسالة المحمدية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأسس في بعث هواية القراءة

  حسين سونة نشر في  الشرق المغربية  يوم 28/07/2011                                                           قرأت باهتمام مقالا للكاتب محمد...